أكاديمية CPQLTD لتأهيل محترفي الكوتشينج
مقال

حدّد مستوى كفاءتك قبل أن تصمّم نظام عملك

أهلًا بك في هذه المقالة. حين بدأنا في CPQLTD تصميم نماذج العمل وأنظمته وفق المعايير المعتمدة حول العالم، مع استمرارنا في تقديم الاستشارات للممارسين في تصميم نظام عملهم، لاحظتُ أمرًا تكرّر أمامي حتى صار قاعدة: الممارس الذي يعرف معايير الكفاءة والجودة قبل أن يصمّم ترتفع كفاءته في تصميم نظام عمله، وترتفع معها ثقته في نجاح مشروعه قبل أن يبدأه. ومن لا يعرفها يبني نظامه على تقدير شخصي لقدراته، ثم يكتشف الفجوة متأخّرًا وعلى حساب عملائه.

·بقلم د. ناصر الفريح
حدّد مستوى كفاءتك قبل أن تصمّم نظام عملك

كيف تطبّق معايير الكفاءة والجودة والحوكمة في جلساتك وفي نظام عملك

بقلم: د. ناصر الفريح — CPQLTD

أهلًا بك في هذه المقالة. حين بدأنا في CPQLTD تصميم نماذج العمل وأنظمته وفق المعايير المعتمدة حول العالم، مع استمرارنا في تقديم الاستشارات للممارسين في تصميم نظام عملهم، لاحظتُ أمرًا تكرّر أمامي حتى صار قاعدة: الممارس الذي يعرف معايير الكفاءة والجودة قبل أن يصمّم ترتفع كفاءته في تصميم نظام عمله، وترتفع معها ثقته في نجاح مشروعه قبل أن يبدأه. ومن لا يعرفها يبني نظامه على تقدير شخصي لقدراته، ثم يكتشف الفجوة متأخّرًا وعلى حساب عملائه.

هذه المقالة عن هذا الفرق، وعن أهمّ قرار تتخذه قبل أن ترسم أي جزء من نظام عملك: أن تحدّد مستوى كفاءتك بدليل.

ثلاثة معايير لا ينفصل بعضها عن بعض

حين تصمّم نظام عملك، أو تجلس مع عميلك في جلسة، تحكم عملك ثلاثة معايير في وقت واحد، سواء انتبهت إليها أم لم تنتبه.

  • الكفاءة تجيب عن سؤال: هل تستطيع فعلًا أن تقدّم ما تعد به؟ لا ما تعلّمته في الدورة، وإنما ما تستطيع أداءه أمام عميل حقيقي في موقف حقيقي.
  • الجودة تجيب عن سؤال: هل تقدّمه بالمستوى نفسه في كلّ مرة؟ فالجلسة الجيدة مرة واحدة موهبة، والجلسة الجيدة في كلّ مرة نظام.
  • الحوكمة تجيب عن سؤال: من يراقب ويحاسب ويحمي حين لا يراك أحد؟ العميل لا يستطيع أن يقيّم عملك من الداخل، فمن يفعل ذلك نيابة عنه؟

يظنّ الممارس المستقلّ أحيانًا أنّ هذه المعايير تخصّ المؤسسات الكبيرة. والحقيقة أنها تخصّه أكثر، لأنه المؤسسة كلّها في شخص واحد: المنفّذ والمدير والمراقب معًا. وإذا لم يصمّم المعايير بنفسه فلن يصمّمها له أحد.

لماذا تبدأ بتحديد مستوى كفاءتك

كلّ قرار في نظام عملك يُبنى على مستوى كفاءتك: الخدمات التي تعرضها، والفئات التي تقبلها، والحالات التي تحيلها إلى غيرك، وأجرك، ونوع الإشراف الذي تحتاجه، وحجم الوعد الذي تقطعه للعميل. فإذا أخطأت في تقدير مستواك أخطأت في كلّ ما بُني عليه.

والمشكلة أنّ تقدير الكفاءة بالشعور غير موثوق في الاتجاهين. فقد بيّن جاستن كروغر وديفيد دانينغ في سلسلة تجارب أنّ الأقلّ كفاءة يبالغون في تقدير أنفسهم بدرجة كبيرة؛ فالمشاركون الذين جاء أداؤهم في الربع الأدنى قدّروا أنفسهم في المرتبة المئوية الثانية والستين في المتوسط، بينما كان أداؤهم الفعلي في المرتبة الثانية عشرة. والسبب أنّ المهارة التي تحتاجها لتؤدّي عملًا جيدًا لا تختلف عن المهارة التي تحتاجها لتعرف أنّ عملك ليس جيدًا بعد. وفي المقابل يميل بعض الأكفاء إلى التقليل من قدراتهم، لأنهم يفترضون أنّ ما يسهل عليهم يسهل على الجميع.

الخلاصة العملية: لا تحدّد مستواك بالشعور، وإنما بالدليل.

سلّم تقف عليه

يصف هيوبرت دريفوس وستيوارت دريفوس اكتساب المهارة بخمس مراحل، تبدأ بالمبتدئ الذي يتّبع القواعد حرفيًا، وتنتهي بالخبير الذي يقرأ الموقف كلّه ويتصرّف من دون أن يستحضر القواعد. وبين الطرفين مراحل يتعلّم فيها الممارس أن يميّز المواقف، ثم أن يرتّب أولوياته فيها، ثم أن يتصرّف بحدس مبنيّ على خبرة طويلة. وفي CPQLTD ترجمنا هذا السلّم إلى مستويات تأهيل متدرّجة، لكلّ مستوى منها كفايات محدّدة قابلة للملاحظة ومتطلّبات إشراف معلنة.

ما يهمّك في السلّم ليس اسم الدرجة، وإنما أمران: أن تعرف أين تقف اليوم بدليل، وأن تصمّم نظام عملك على هذه الدرجة لا على الدرجة التي تتمنّاها.

كيف تحدّد مستواك فعليًا: أربعة أدلة

  1. ساعات ممارسة موثّقة. ليست ساعات التعلّم، وإنما ساعات العمل الفعلي مع عملاء. سجّلها بتاريخها ونوعها.
  2. نتائج مقيسة. ما التغيّر الذي حدث عند عملائك وتستطيع إثباته؟ قياس قبل الجلسات وبعدها، ولو بمقياس بسيط، يفصل الانطباع عن النتيجة.
  3. تقييم مشرف أو زميل مؤهّل. شخص شاهد عملك أو استمع إلى تسجيل جلسة بإذن العميل، وقيّمك على كفايات محدّدة لا على انطباع عام.
  4. تغذية راجعة منتظمة من العملاء. سؤالان في نهاية كلّ مسار: ماذا نفعك؟ وماذا احتجت إليه ولم تجده؟
ويذكّرنا أندرس إريكسون وزملاؤه بأنّ الخبرة لا تأتي من تراكم السنوات وحده، وإنما من «الممارسة المتعمّدة»: تدريب مقصود على ما لا تتقنه بعد، مع تغذية راجعة فورية وتكرار. فعشر سنوات من تكرار ما تجيده تعطيك سنة واحدة من الخبرة مكرّرة عشر مرات.

بطاقة تحديد المستوى

استخدم هذه البطاقة لتقييم نفسك في المجالات الخمسة الأساسية لعملك:

المجالالدليل الذي أملكهمستواي اليومما أحتاجه للمستوى التالي
إدارة الجلسة
التعاقد وتحديد النطاق
القياس والتوثيق
الأخلاقيات والإحالة
إدارة العمل

الكفاءة تصنع الثقة، والثقة تصنع الإنجاز

هنا نصل إلى قلب المقالة. ثقتك في إنجاز مشروعك ليست مزاجًا تستيقظ به، وإنما نتيجة مباشرة لمستوى كفاءتك ولمعرفتك بهذا المستوى.

وضع ألبرت باندورا نظرية الكفاءة الذاتية، أي اعتقاد الإنسان بقدرته على أداء مهمة معيّنة، وبيّن أنّ أقوى مصادر هذا الاعتقاد خبرات الإتقان الشخصية: أن تؤدّي المهمة فعلًا وتنجح فيها. ثم جمع ألكسندر ستايكوفيتش وفريد لوثانز نتائج 114 دراسة شملت أكثر من واحد وعشرين ألف مشارك، فوجدا ارتباطًا واضحًا ومتّسقًا بين الكفاءة الذاتية والأداء في العمل، يعادل بحسب تقدير الباحثين تحسّنًا في الأداء يقارب 28%.

انتبه إلى الترتيب: الكفاءة أولًا، ثم الثقة، ثم الإنجاز.

من يحاول أن يبني الثقة قبل الكفاءة يحصل على حماسة تنهار عند أول عميل صعب. ومن يملك الكفاءة ولا يعرف مستواها يتردّد في المواضع التي يستحقّ فيها أن يتقدّم. أمّا من يعرف مستواه بدليل فيتصرّف بثقة هادئة: يقبل ما يستطيع، ويحيل ما لا يستطيع، ويقول للعميل «هذا ضمن خبرتي، وهذا خارجها» من دون أن يشعر بالتهديد.

ولاحظتُ هذا مرارًا في استشارات تصميم نظام العمل: الممارس الذي يعرف أنه في المستوى الأساسي ويعرض خدماته على هذا الأساس ينجح مشروعه أكثر ممّن يعلن نفسه خبيرًا ويقضي سنواته الأولى في الدفاع عن صورة لا يملك دليلها. الثقة المبنية على الكفاءة لا تحتاج إلى صوت عالٍ؛ يكفيها أن تُسأل فتجيب.

الجودة في جلساتك: المعيار في التكرار

الجودة في عمل الممارس ليست شعارًا على موقعه، وإنما قدرته على تقديم المستوى نفسه في الجلسة العاشرة كما في الأولى، ومع العميل المتعب كما مع المتحمّس. وتقوم على خمسة عناصر:

  • بنية ثابتة للجلسة: افتتاح يحدّد الهدف، وعمل، وإغلاق يلخّص ويحدّد الخطوة التالية.
  • تعاقد واضح: ما الخدمة، وما نطاقها، وما يخرج عنها، وكيف تُقاس.
  • قياس: مؤشّر واحد على الأقل يتّفق عليه الطرفان في البداية ويُراجع في النهاية.
  • توثيق: ملاحظات مختصرة بعد كلّ جلسة، تحفظ خصوصية العميل وتحفظ لك مسار العمل.
  • مراجعة دورية: ساعة كلّ شهر تراجع فيها ما تكرّر من ملاحظات العملاء وما تحتاج إلى تطويره.

وهذه العناصر الخمسة لا تختلف في جوهرها عمّا تطلبه المعايير الدولية من المؤسسات؛ فمواصفة ISO 10015 لإدارة الكفاءة وتنمية الأفراد تقوم على دورة متّصلة: تحديد الاحتياج من الكفاءة، ثم تخطيط التطوير، ثم تنفيذه، ثم تقييم أثره. الفرق أنّ المؤسسة تملك إدارة جودة، وأنت إدارة الجودة في مشروعك.

الحوكمة في نظام عملك: من يحاسبك حين لا يراك أحد

في كتابي عن الحوكمة في التطوير قدّمتُ نموذج «أمانة» بخمس ركائز: الأخلاقيات، والمساءلة، والاتساق، والنزاهة في القياس، والتجدّد. وضعتُ النموذج أصلًا للمؤسسات، لكنه ينطبق على الممارس المستقلّ بالقدر نفسه، ويتحوّل عنده إلى خمسة أسئلة:

  • الأخلاقيات: هل لديّ ميثاق مكتوب أعطيه للعميل، فيه السرّية واستثناءاتها وحدود العلاقة؟
  • المساءلة: إلى من أرجع حين أخطئ؟ مشرف، أو زميل مؤهّل، أو جهة مهنية؟
  • الاتساق: هل ما أعلنه عن نفسي يطابق ما أقدّمه فعلًا؟
  • النزاهة في القياس: هل أقيس نتائج عملي بصدق، أم أروي قصص النجاح وأنسى الباقي؟
  • التجدّد: متى راجعتُ كفاءتي آخر مرة، وماذا طوّرتُ فيها منذ عام؟

الحوكمة عند الممارس المستقلّ ليست جهازًا رقابيًا، وإنما ترتيبات بسيطة تجعل عملك قابلًا للمراجعة من غيرك. وهي التي تجعل العميل يثق بك قبل أن يجرّبك.

طبّق المعايير الثلاثة في أسبوع

  • اليوم الأول: املأ بطاقة تحديد المستوى بصدق، واكتب عند كلّ مجال الدليل الذي تملكه فعلًا.
  • اليوم الثاني: راجع قائمة خدماتك، وعدّل أو احذف كلّ خدمة تتجاوز مستواك الحالي.
  • اليوم الثالث: اكتب بنية جلستك القياسية في صفحة واحدة.
  • اليوم الرابع: صمّم مقياسًا بسيطًا للنتائج تستخدمه مع كلّ عميل جديد.
  • اليوم الخامس: اكتب ميثاقك الأخلاقي في صفحة، وأرسله مع كلّ تعاقد.
  • اليوم السادس: اتفق مع مشرف أو زميل مؤهّل على مراجعة دورية.
  • اليوم السابع: حدّد موعدًا ثابتًا كلّ ثلاثة أشهر لإعادة تقييم مستواك، وضعه في تقويمك.

دعوتي إليك

لا تنتظر أن تصبح خبيرًا لتبدأ، ولا تعلن أنك خبير قبل أن تصبحه. اعرف مستواك بدليل، وصمّم نظام عملك عليه، وقدّم جودة ثابتة، وضع لنفسك حوكمة تحاسبك قبل أن يحاسبك غيرك. ستجد أنّ ثقتك في مشروعك لم تعد تحتاج إلى تشجيع، لأنها صارت مبنية على ما تستطيع فعله حقًّا.

فالثقة التي تبحث عنها لا يمنحها لك أحد؛ تبنيها بنفسك، دليلًا بعد دليل.

عن الكاتب

د. ناصر الفريح، مؤسّس أكاديمية الرؤية الدولية، ومؤسّس ومبتكر برامج CPQLTD التدريبية المتخصّصة حول العالم، ومدرّب ومستشار دولي، بخبرة خمسة وثلاثين عامًا في تصميم المنظمات والمواد والمناهج والبرامج التدريبية. من مؤلّفاته: «كيف تصمّم نظام عملك — منهج CPQLTD»، و«الحوكمة في التطوير وتنمية الموارد البشرية والإدارة» الذي قدّم فيه نموذج «أمانة».

المصادر

  1. Kruger, J., & Dunning, D. (1999). Unskilled and unaware of it: How difficulties in recognizing one's own incompetence lead to inflated self-assessments. Journal of Personality and Social Psychology, 77(6), 1121–1134. رابط
  2. Dreyfus, S. E., & Dreyfus, H. L. (1980). A five-stage model of the mental activities involved in directed skill acquisition. University of California, Berkeley, Operations Research Center. رابط
  3. Ericsson, K. A., Krampe, R. T., & Tesch-Römer, C. (1993). The role of deliberate practice in the acquisition of expert performance. Psychological Review, 100(3), 363–406. رابط
  4. Bandura, A. (1977). Self-efficacy: Toward a unifying theory of behavioral change. Psychological Review, 84(2), 191–215. رابط
  5. Stajkovic, A. D., & Luthans, F. (1998). Self-efficacy and work-related performance: A meta-analysis. Psychological Bulletin, 124(2), 240–261. رابط
  6. International Organization for Standardization. (2019). ISO 10015:2019 — Quality management: Guidelines for competence management and people development. رابط
أسئلة شائعة

أسئلة شائعة حول الموضوع

ما موضوع هذا المقال؟

أهلًا بك في هذه المقالة. حين بدأنا في CPQLTD تصميم نماذج العمل وأنظمته وفق المعايير المعتمدة حول العالم، مع استمرارنا في تقديم الاستشارات للممارسين في تصميم نظام عملهم، لاحظتُ أمرًا تكرّر أمامي حتى صار قاعدة: الممارس الذي يعرف معايير الكفاءة والجودة قبل أن يصمّم ترتفع كفاءته في تصميم نظام عمله، وترتفع معها ثقته في نجاح مشروعه قبل أن يبدأه. ومن لا يعرفها يبني نظامه على تقدير شخصي لقدراته، ثم يكتشف الفجوة متأخّرًا وعلى حساب عملائه.

هل محتوى المقال بديل عن الاستشارة الصحية أو النفسية المتخصصة؟

لا. محتوى CPQLTD التحريري تعليمي ولا يُقدَّم بوصفه تشخيصًا أو علاجًا أو بديلًا عن المختصين في المجالات الصحية أو النفسية المنظمة.

النقاش

تعليقات القراء

يظهر التعليق بعد مراجعته من إدارة الموقع.

0
لا توجد تعليقات منشورة حتى الآن. كن أول من يشارك.