أكاديمية تأهيل محترفين الكوتشينج CPQLTD
مقال

الكوتش يرتكز على الحلول لا على المشكلات

يميل الإنسان، حين يواجه تعثّرًا مهنياً أو شخصياً، إلى أن يمنح المشكلة حجماً لغوياً يفوق حضورها الفعلي. يروي تفاصيل ما لا يعمل، ويعيد تفسير أسبابه، ويستحضر محاولاته الفاشلة، ثم يصل إلى الجلسة (Session) وكأن مهمته إثبات صعوبة الواقع. أما الكوتش المحترف فلا ينكر هذا الواقع ولا يطلب من المستفيد أن يتجاوزه بالتفاؤل السطحي؛ لكنه يتعامل معه بوصفه نقطة انطلاق لا موطناً دائماً للفكر. وظيفته ليست أن يصبح مؤرخاً للمشكلة، بل أن يساعد المستفيد على بناء وصف عملي لما يريد أن يراه مختلفاً، وأن يلتقط الموارد والخطوات التي تجعل هذا الاختلاف ممكناً.

·بقلم د. ناصر الفريح

مقدمة

يميل الإنسان، حين يواجه تعثّرًا مهنياً أو شخصياً، إلى أن يمنح المشكلة حجماً لغوياً يفوق حضورها الفعلي. يروي تفاصيل ما لا يعمل، ويعيد تفسير أسبابه، ويستحضر محاولاته الفاشلة، ثم يصل إلى الجلسة (Session) وكأن مهمته إثبات صعوبة الواقع. أما الكوتش المحترف فلا ينكر هذا الواقع ولا يطلب من المستفيد أن يتجاوزه بالتفاؤل السطحي؛ لكنه يتعامل معه بوصفه نقطة انطلاق لا موطناً دائماً للفكر. وظيفته ليست أن يصبح مؤرخاً للمشكلة، بل أن يساعد المستفيد على بناء وصف عملي لما يريد أن يراه مختلفاً، وأن يلتقط الموارد والخطوات التي تجعل هذا الاختلاف ممكناً.

من هنا نشأ الكوتشينغ (Coaching) الموجّه للحلول، وهو منهج حواري يستند إلى افتراض بسيط وعميق: لا يلزم أن نفهم كل أسباب المشكلة كي نتحرك نحو تحسن ذي معنى. قد تكون معرفة الخلفية مفيدة أحياناً، ولا سيما لفهم السياق والقيود، لكن الاستغراق في التحليل السببي لا يضمن التغيير (Change). ما يصنع الفرق غالباً هو تحويل الانتباه من سؤال: «لماذا يحدث لي هذا؟» إلى أسئلة أدق: «متى لا يحدث بالدرجة نفسها؟ ما الذي أفعله على نحو مختلف؟ كيف سأعرف أن الوضع يتحسن؟ وما أصغر خطوة يمكن تنفيذها الآن؟».

لا يقدم هذا المنهج وصفة سريعة، ولا يتجاهل المشاعر أو التعقيد التنظيمي. إنه يدرّب الكوتش على اقتصاد الانتباه: إعطاء الوقت الكافي لفهم أثر المشكلة، ثم استثمار معظم الحوار في الوجهة المرغوبة والاستثناءات والقدرات المتاحة. لذلك هو مناسب للممارسة المهنية التي تسعى إلى تمكين المستفيد من التفكير والفعل، بدلاً من ترسيخ هويته بوصفه صاحب مشكلة تحتاج دائماً إلى خبير ينقذه منها.

من لغة المشكلة إلى لغة الحل

لغة المشكلة لغة تبحث عن العطل: من المخطئ؟ ما السبب الجذري؟ لماذا تتكرر الدائرة؟ ما الذي يمنعني؟ وهي لغة مشروعة إذا كان المقصود تشخيص خطر، أو جمع معلومات لازمة لقرار علاجي أو إداري. لكن في جلسة الكوتشينغ (Coaching Session) قد تتحول هذه اللغة إلى عدسة وحيدة؛ فتختزل الشخص في عيبه، وتستدعي شواهد إضافية على عجزه، وتمنح الماضي سلطة مفرطة على المستقبل. حين يقول قائد: «فريقي غير ملتزم»، قد يبقى الحوار طويلاً داخل تعريفات فضفاضة للالتزام، وتاريخ الخلافات، وأخطاء الأفراد، من غير أن يظهر سلوك واحد قابل للرصد يريد القائد تغييره.

لغة الحل لا تعني إنكار المشكلة، بل إعادة صياغة الحديث بحيث يصبح قابلاً للتصرف. يسأل الكوتش: «إذا أصبح فريقك أكثر التزامًا خلال الأسابيع المقبلة، ماذا سترى أو تسمع تحديداً؟ ماذا سيفعل الأفراد في الاجتماع؟ وما الذي ستفعله أنت على نحو مختلف؟». في هذا التحول (Transformation) تتغير نوعية البيانات التي ينتجها المستفيد. بدلاً من أوصاف كلية مثل «الفريق (Team) سلبي»، تظهر مؤشرات واقعية: حضور في الموعد، مسؤوليات محددة، متابعة أسبوعية، اعتراضات تُطرح مبكرًا، أو قرارات تُوثَّق بوضوح.

والفارق بين اللغتين ليس تجميلياً؛ إنه فارق في موضع الفاعلية. لغة المشكلة تدفع كثيراً إلى تفسير السلوك من الخارج: ثقافة المؤسسة، المدير السابق، ضغط السوق، طباع الآخرين. أما لغة الحل فتبحث عن مساحة التأثير الواقعية من دون أن تنكر القيود: «في ظل هذه الظروف، ما الذي تستطيع التأثير فيه؟». لا يطلب الكوتش من المستفيد أن يتحمل ما ليس مسؤوليته، لكنه يساعده على التمييز بين ما لا يملك تغييره وما يستطيع أن يختار موقفه أو سلوكه تجاهه.

تظهر الممارسة الناضجة في قدرة الكوتش على احترام القصة المؤلمة من غير أن يطيل الإقامة فيها. قد يقول: «أفهم أن ما حدث في الترقية كان مخيّبًا، وما الذي تحتاج إليه من هذه الجلسة كي تخرج منها بخطوة نافعة لمستقبلك؟». هذه العبارة لا تقاطع الألم ولا تفسّره؛ بل تعترف به ثم تفتح باباً إلى الوكالة الشخصية. وحين يظل المستفيد في التعميم، يكون دور الكوتش أن يعيده برفق إلى المشهد المرئي: من سيفعل ماذا، ومتى، وبأي علامة سنعرف أن شيئاً اختلف؟

الأسئلة التي تنقل الحوار إلى الأمام

تعتمد المقاربة الموجّهة للحلول على أسئلة ليست غريبة في ذاتها، لكن قيمتها تأتي من توقيتها ومن الإصغاء الذي يسبقها. ومن أهمها سؤال الاستثناءات: البحث عن الأوقات التي كانت فيها المشكلة أقل حضوراً أو كان التعامل معها أفضل. فإذا قال مستفيد إنه «يفقد ثقته في كل عرض تقديمي»، يمكن أن يسأل الكوتش: «هل تتذكر عرضاً لم تفقد فيه الثقة تمامًا، ولو بدرجة بسيطة؟ ماذا كان مختلفاً في التحضير أو في حديثك مع نفسك أو في نوع الجمهور؟». الاستثناء ليس دليلاً على أن المشكلة وهم؛ بل دليل عملي على أن نظام المشكلة ليس ثابتاً، وأن لدى الشخص سلوكاً أو ظرفاً مساعداً يمكن فهمه وتكراره وتكييفه.

وثانيها أسئلة المقياس، وغالبًا ما تستخدم رقمًا من صفر إلى عشرة. لا يقاس بها شعور عام على نحو حسابي مصطنع، بل تُستخدم لتكوين خط أساس ولإبراز التقدم والموارد. «على مقياس من صفر إلى عشرة، حيث العشرة تعني أنك تدير الحوار الصعب بالهدوء والوضوح اللذين تريدهما، أين أنت اليوم؟ ما الذي يجعلك عند أربعة لا عند اثنين؟ ما الذي سيخبرك أنك انتقلت إلى خمسة؟». السؤال الذي يسبق المقياس أو يتلوه هو الأهم. فبدلاً من مطاردة الرقم، يستكشف الكوتش ما أنجزه الشخص بالفعل كي يصل إلى هذه الدرجة، وكيف يبدو التحسن الصغير سلوكياً.

أما سؤال المعجزة فيدعو المستفيد إلى تخيل مستقبل حلّت فيه المشكلة من غير أن يطلب منه تفسير كيفية حدوث ذلك. الصيغة المهنية ليست مسرحية: «تخيل أنك استيقظت غداً وقد حدث تغيير جعل موضوعك في وضع أفضل بكثير. بما أنك لم تكن تعرف أن ذلك حدث، ما أول علامة صغيرة ستلاحظها؟ ومن سيلحظ الفرق قبلك؟». قوة السؤال في أنه يحوّل الهدف (Goal) المجرّد إلى وصف غني: كلمات في اجتماع، سلوك في المنزل، قرار مؤجل يُتخذ، أو شعور ينعكس في طريقة العمل. ومن هذا الوصف تُشتق مؤشرات العمل وخطواته.

لكن الأسئلة لا تستخدم كقائمة ثابتة. إذا طُرحت ميكانيكياً فقد يشعر المستفيد بأنه أمام اختبار، أو بأن عليه أن يكون إيجابيًا. يلاحظ الكوتش لغة المستفيد، ويستأذن قبل الانتقال، ويستعمل مفرداته نفسها قدر الإمكان. وإذا كانت هناك أزمة حادة أو خطر نفسي أو قانوني أو مهني، فالأولوية ليست لسؤال المعجزة، بل للسلامة والإحالة إلى الاختصاص المناسب أو معالجة القرار العاجل. الاحتراف هنا هو معرفة أن الأداة في خدمة الإنسان، لا العكس.

متى يفيد النهج الموجّه للحلول ومتى يحتاج إلى اتساع

يفيد هذا النهج بصورة خاصة عندما يكون المستفيد عالقاً في التذمر المتكرر، أو عندما يحتاج إلى هدف سلوكي واضح، أو حين تكون لديه تجارب نجاح جزئية يمكن البناء عليها. في انتقالات القيادة (Leadership)، وتطوير الأداء، وتحسين التعاون، والاستعداد لمقابلة أو تفاوض، تتيح الأسئلة الموجّهة للحلول تحويل النوايا الواسعة إلى تجارب محددة. فمديرة جديدة تقول إنها تريد «حضورًا قياديًا أقوى». بدلاً من تحليل سنوات القلق كلها، يمكن للكوتش أن يستكشف: كيف سيبدو هذا الحضور (Presence) في الاجتماع القادم؟ ما السلوك الذي سبق أن مارسته بنجاح؟ وما الرسالة (Mission) أو السؤال الذي ستلتزمين به؟

وهو مفيد أيضاً في البيئات التي كثرت فيها المحاولات التشخيصية ولم تعد تضيف شيئاً. قد يقضي فريق شهوراً في تسمية أسباب ضعف التنسيق، بينما توجد خطوات أولية يمكن تجربتها: اتفاق واضح حول مالك كل قرار، اجتماع قصير لتحديد العوائق، وقناة واحدة للتحديثات. لا يختزل الكوتش التعقيد المؤسسي في إرادة فردية، لكنه يختبر أين يمكن لحركة صغيرة منضبطة أن تكسر نمط الجمود.

في المقابل، لا ينبغي استعماله لتجاوز قضايا تحتاج إلى تحقيق أو علاج أو قرار رسمي. فادعاءات التحرش، والصدمات النفسية، ومخاطر السلامة، واضطرابات الصحة النفسية، والنزاعات القانونية، ليست ميادين يكتفى فيها بإبراز الاستثناءات. وقد يحتاج المستفيد في بعض الحالات إلى تفريغ منظم للمشاعر أو إلى فحص معتقدات عميقة أو إلى معالجة أسباب بنيوية في المؤسسة. الكوتش الواعي يوضح حدود دوره، ويعرف متى يوسّع المنظور أو يحيل إلى اختصاصي.

كذلك ينبغي الحذر من أن يصبح «التركيز على الحل» ذريعة لسرعة غير ناضجة. بعض المستفيدين يحتاجون أولاً إلى أن يشعروا بأن تجربتهم سُمعت وفُهمت. الإصغاء المتعاطف ليس مرحلة ضائعة قبل العمل؛ إنه أحياناً الشرط الذي يجعل العمل ممكناً. الفرق أن الكوتش لا يساوي بين التعاطف (Empathy) والاستغراق، بل ينصت بصدق ثم يسأل عن الاتجاه الذي يستحق البناء.

ومن أخطاء التطبيق الشائعة أن يظن الكوتش أن كل سؤال ينبغي أن يحمل كلمة «حل» أو أن كل جلسة يجب أن تنتهي بخطة كبيرة. المقاربة الجيدة أكثر تواضعاً ودقة. قد يكون التقدم في جلسة ما أن يفرّق المستفيد للمرة الأولى بين إحباطه من القرار وبين خوفه من مواجهة زميله، أو أن يلاحظ أن المشكلة تشتدّ في سياق محدد فقط. هذه الملاحظات ليست خروجاً عن المنهج؛ إنها مادة الحل لأنها تجعل الخطوة التالية أذكى. كذلك لا يلزم أن يكون الاستثناء نجاحاً كاملاً. يمكن أن يكون نصف ساعة من التركيز، أو سؤالاً تأخر الشخص في طرحه، أو يوم عمل لم ينتهِ فيه إلى الإرهاق المعتاد. يعلّم الكوتش المستفيد أن يتعامل مع هذه الفروق الصغيرة بوصفها بيانات لا صدفة عابرة.

وتزداد قيمة هذا النهج عندما يوثق الكوتش بعبارات المستفيد، لا بتفسيره الخاص. فبدلاً من أن يكتب: «المستفيد يفتقر إلى الثقة»، يمكنه أن يدوّن: «يريد أن يبدأ العرض بجملة مباشرة، ويحافظ على سرعة أبطأ، ويطلب سؤالين من الحضور». التوثيق بهذا الشكل يحمي من التعميم، ويتيح متابعة واضحة في الجلسة التالية: ما الذي جُرّب؟ ما الذي حدث؟ وما الذي يستحق الاستمرار أو التعديل؟

خاتمة عملية: بروتوكول قصير للجلسة القادمة

في جلستك المقبلة، جرّب أن تبني أول عشرين دقيقة وفق تسلسل من خمس حركات. أولاً، اطلب وصفاً موجزاً للمشكلة وأثرها كي تفهم السياق من دون الغرق في التفاصيل. ثانياً، اتفق مع المستفيد على علامة ظاهرة تجعل الجلسة مفيدة: «ما الذي سيكون مختلفاً عند نهاية حديثنا؟». ثالثاً، اسأل عن استثناء واحد، مهما كان صغيراً، واستخرج ما فعله أو امتلكه المستفيد في ذلك الموقف. رابعاً، استخدم مقياساً لتحديد الدرجة الحالية والانتقال القريب لا النتيجة المثالية. خامساً، اختم بتجربة سلوكية دقيقة: فعل واحد، في سياق واحد، مع موعد ومؤشر للمراجعة.

بعد الجلسة، راجع لغتك أنت. كم مرة سألت عن أسباب العجز؟ وكم مرة دعوت المستفيد إلى وصف مستقبل قابل للملاحظة؟ هل جاءت أسئلتك من فضول حقيقي أم من رغبة في تطبيق نموذج؟ لا يطلب الكوتش الموجّه للحلول من الناس أن يتجاهلوا ما يؤلمهم؛ بل يمنحهم لغة يستعيدون بها قدرتهم على رؤية ما يعمل، واختيار ما يمكن أن يبدأ الآن. وعندما يتعلم المستفيد أن يصف التحسن بدقة، يصبح التغيير أقل غموضاً وأكثر قابلية لأن يملكه بنفسه.

مسار القراءة

تعديل السلوك وتغيير العادات

محتوى حول أنماط السلوك والعادات ودعم التغيير السلوكي باستخدام أدوات كوتشينج مسؤولة.

كيفية التخلص من الانفعالات عبر تعديل السلوكتعتبر الانفعالات السلبية والغضب والتوتر من أكثر المشاعر التي يواجهها الأشخاص في حياتهم اليومية. قد يكون الانفعال الشديد …فوائد تعديل السلوك على تغيير العاداتتعد تغيير العادات وتعديل السلوك من الأمور المهمة في حياة الإنسان، فهو يمكنه أن يحقق العديد من الفوائد الإيجابية. وفي هذا…كيفية تعديل وتغير السلوكالسلوك هو نمط السلوك الذي ينتهجه الفرد في تفاعله مع الآخرين والبيئة المحيطة به. ومن المهم أحيانًا أن نقوم بتعديل وتغيير …
حوّل المعرفة إلى مسار مهنياستكشف المسار المرتبط بهذا الموضوع داخل أكاديمية CPQLTD.
كوتش تعديل السلوك
أسئلة شائعة

أسئلة شائعة حول الموضوع

ما موضوع هذا المقال؟

يميل الإنسان، حين يواجه تعثّرًا مهنياً أو شخصياً، إلى أن يمنح المشكلة حجماً لغوياً يفوق حضورها الفعلي. يروي تفاصيل ما لا يعمل، ويعيد تفسير أسبابه، ويستحضر محاولاته الفاشلة، ثم يصل إلى الجلسة (Session) وكأن مهمته إثبات صعوبة الواقع. أما الكوتش المحترف فلا ينكر هذا الواقع ولا يطلب من المستفيد أن يتجاوزه بالتفاؤل السطحي؛ لكنه يتعامل معه بوصفه نقطة انطلاق لا موطناً دائماً للفكر. وظيفته ليست أن يصبح مؤرخاً للمشكلة، بل أن يساعد المستفيد على بناء وصف عملي لما يريد أن يراه مختلفاً، وأن يلتقط الموارد والخطوات التي تجعل هذا الاختلاف ممكناً.

هل محتوى المقال بديل عن الاستشارة الصحية أو النفسية المتخصصة؟

لا. محتوى CPQLTD التحريري تعليمي ولا يُقدَّم بوصفه تشخيصًا أو علاجًا أو بديلًا عن المختصين في المجالات الصحية أو النفسية المنظمة.

النقاش

تعليقات القراء

يظهر التعليق بعد مراجعته من إدارة الموقع.

0
لا توجد تعليقات منشورة حتى الآن. كن أول من يشارك.