أكاديمية تأهيل محترفين الكوتشينج CPQLTD
مقال

التفكير بلغة العشرة الكبار في الكوتشينغ

لا تنضج ممارسة الكوتشينغ بحفظ أسماء المدارس ولا بترديد المصطلحات التي اشتهرت بها. لكنها تضعف أيضاً حين تُمارَس بلا سند فكري، كأنها محادثة حسنة النية لا تستند إلى تصور واضح للإنسان والتعلّم والتغيير. إن معرفة المفكرين الذين صاغوا لغة الكوتشينغ الحديث لا تهدف إلى وضع قائمة شرف، بل إلى توسيع عدسة الممارس: متى يرى الأداء؟ ومتى يصغي إلى الحوار الداخلي (Inner Dialogue)؟ ومتى ينتبه إلى الجسد أو النظام أو مرحلة النضج؟ ومتى يكفّ عن افتراض أن الجلسة (Session) الجيدة هي التي تقدّم إجابة سريعة؟

·بقلم CPQLTD

مقدمة

لا تنضج ممارسة الكوتشينغ بحفظ أسماء المدارس ولا بترديد المصطلحات التي اشتهرت بها. لكنها تضعف أيضاً حين تُمارَس بلا سند فكري، كأنها محادثة حسنة النية لا تستند إلى تصور واضح للإنسان والتعلّم والتغيير. إن معرفة المفكرين الذين صاغوا لغة الكوتشينغ الحديث لا تهدف إلى وضع قائمة شرف، بل إلى توسيع عدسة الممارس: متى يرى الأداء؟ ومتى يصغي إلى الحوار الداخلي (Inner Dialogue)؟ ومتى ينتبه إلى الجسد أو النظام أو مرحلة النضج؟ ومتى يكفّ عن افتراض أن الجلسة (Session) الجيدة هي التي تقدّم إجابة سريعة؟

والعشرة الذين نتناول إسهاماتهم هنا ليسوا «أفضل عشرة» في ترتيب نهائي؛ فمجال الكوتشينغ متداخل، وقد أسهمت فيه مدارس نفسية وتعليمية وفلسفية وتنظيمية كثيرة. إنهم عشرة أصوات شكّلت مفردات متداولة في الكوتشينغ المهني (Professional Coaching) العالمي، وجعلت من الممكن أن نتكلم عن الهدف (Goal) والوعي والحضور والاختيار والعلاقات والأنظمة والنمو. والقراءة المهنية النافعة لهم لا تسأل: أي نموذج أختار؟ بل تسأل: ما السؤال الذي يعلّمني كل نموذج أن أراه؟ وما الخطر الذي يحميني منه؟

من الأداء إلى المسؤولية: غالوي، ويتمور، وكلاتربك

انطلق تيموثي غالوي من ملاحظة تبدو بديهية حين نسمعها: اللاعب لا ينافس خصمه فقط، بل يواجه أيضاً الصوت الداخلي الذي يراقبه ويقيّمه ويعطّل ثقته. في كتاباته عن «اللعبة الداخلية»، فرّق بين ذات تتحدث بالنقد والتعليمات المتوترة، وذات قادرة على الأداء حين تتوافر لها الثقة والانتباه. وما يتعلمه الكوتش (Coach) من غالوي هو أن المشكلة ليست دائماً نقصاً في المعرفة. فقد يعرف المستفيد ما ينبغي أن يفعله، لكنه لا يفعله لأن تشويشه الداخلي يستهلك انتباهه. لذلك تتحول الأسئلة من «كيف ستفعل ذلك؟» إلى «ما الذي تلاحظه في نفسك لحظة التردد؟ وما الذي يساعدك على استعادة حضورك؟».

أما السير جون ويتمور، فحوّل جانباً كبيراً من هذا الفكر إلى لغة عملية للقيادة عبر نموذج غرو (GROW): الهدف، والواقع، والخيارات، وما سيفعله المستفيد. وقيمة النموذج (Model) ليست في حروفه، بل في انضباطه الحواري؛ فهو يمنع المدير أو الكوتش من القفز إلى الحل قبل اتضاح المقصود، ويمنع الجلسة من التحول (Transformation) إلى تأمل بلا قرار. علّم ويتمور الممارسة الإدارية أن رفع الوعي (Awareness) وتحمل المسؤولية ليسا شعارين، بل نتيجتان لطريقة السؤال. فعندما يصف الموظف هدفه بوضوح، ويرى واقعه بلا تبرير أو جلد للذات، ويستنبط خياراته، ثم يلتزم بفعل محدد، تنتقل إليه ملكية القرار.

ويضيف ديفيد كلاتربك بُعداً تطورياً مهماً: فالكوتشينغ الجيد ليس تدخلاً متماثلاً مع الجميع، بل علاقة تعلّم تراعي خبرة المستفيد ومرحلة مساره وسياق المؤسسة. وقد أسهم في ترسيخ مفاهيم مثل الكوتشينغ التنموي، وكوتشينغ الأقران، وكوتشينغ المديرين، ولفت الانتباه إلى أن احتياج القائد الجديد يختلف عن احتياج الخبير الذي ينتقل إلى دور استراتيجي. ودرسه للكوتش هو مقاومة إغراء تطبيق جلسة معيارية. اسأل: ما نوع التعلّم المطلوب هنا؟ أهو مهارة أداء؟ أم اتساع في الدور؟ أم فهم للعلاقات؟ أم انتقال في الهوية المهنية (Professional Identity)؟

ولنفترض أن مهندساً بارعاً رُقّي إلى إدارة فريق. بلغة غالوي، قد يلاحظ الكوتش الصوت الداخلي الذي يقول له إنه ينبغي أن يعرف كل إجابة. وبلغة ويتمور، يساعده على تحديد هدف واضح للاجتماع القادم، وعلى استنباط خيارات لتوزيع المسؤولية. وبلغة كلاتربك، يراه في انتقال أوسع من هوية الخبير الفرد إلى هوية القائد الذي ينمّي خبرة غيره. ليست هذه ثلاث جلسات متنافسة؛ بل ثلاث طبقات لفهم موقف واحد.

العلاقة والحضور: كيمزي-هاوس، ويتوورث، وسيلزبي

يرتبط اسم كارين كيمزي-هاوس بتأسيس المدرسة التشاركية، أو ما عُرف بالكوتشينغ التفاعلي المشترك. وجوهر إسهامها أن العلاقة ليست قناة محايدة تُنقَل عبرها الأسئلة، بل هي في ذاتها مساحة للتعلّم. يدخل الكوتش والمستفيد في شراكة واعية يُتفق فيها على طريقة العمل، ويُنظَر إلى المستفيد بوصفه كاملاً ومبدعاً وقادراً على إيجاد الحلول. لا يعني ذلك إنكار الضعف أو الحاجة إلى المعرفة، بل منع العلاقة من أن تُبنى على افتراض النقص. وحين يختلف المستفيد مع سؤال الكوتش أو يصمت طويلاً، لا يتعامل الكوتش مع ذلك بوصفه مقاومة ينبغي كسرها، بل بوصفه معلومة عن العلاقة والطريقة الأنسب للتقدم.

ولورا ويتوورث، وهي من أبرز الأصوات المؤسسة لهذا الاتجاه، صاغت بوضوح فكرة أن أجندة المستفيد هي مركز الجلسة، وأن الكوتش يعمل مع الشخص بكليته، لا مع مشكلة معزولة عن حياته. وتعلّمنا لغتها أن نسأل عن القيم (Values) والحيوية والاختيار، لا عن الإنجاز وحده. فالمدير الذي يطلب ترقية قد لا يحتاج إلى خطة نفوذ داخل المؤسسة فحسب؛ بل قد يحتاج إلى اكتشاف ما إذا كانت الترقية تخدم الحياة التي يريدها، أم أنها هروب من شعور بعدم الكفاية. لا يجعل هذا الاتساع الجلسة علاجاً نفسياً، لكنه يحميها من ضيق الهدف الظاهر.

أما دوغلاس سيلزبي، فقد عمّق مفهوم الحضور (Presence) في كوتشينغ القيادات. والحضور عنده ليس هدوءاً شكلياً ولا تعبيراً لطيفاً؛ إنه قدرة الكوتش على ملاحظة ما يجري في داخله وفي العلاقة وفي النظام، ثم اختيار استجابة واعية بدلاً من رد فعل تلقائي. فالكوتش الحاضر يلاحظ رغبته في إنقاذ المستفيد، أو ضيقه من الصمت، أو انجذابه إلى قصة مألوفة، لكنه لا يدع هذه الدوافع تقود الجلسة. ويستطيع أن يقول، عند الحاجة وبقدر من التواضع: «ألاحظ أن سرعتنا ازدادت حين ذكرنا القرار؛ ماذا يحدث لديك الآن؟».

وتمنحنا هذه الأصوات لغة أخلاقية بقدر ما تمنحنا تقنيات. فالشراكة تعني ألا يسلب الكوتش المستفيدَ حقَّه في تعريف النجاح، والحضور يعني ألا يفرض تفسيره تحت غطاء الحدس، والعمل مع الشخص بكليته يعني ألا يحوّل القيم إلى سؤال تزييني. في جلسة مع قائدة تواجه خيار البقاء أو المغادرة، قد تكون أفضل خدمة أن تُصمَّم العلاقة بوضوح، وأن يُترك لها مجال للتفكير بصوت مسموع، وأن تُسأل عن القيمة التي تريد حمايتها، لا أن تُدفع إلى قرار يرضي توقعات الكوتش.

الإنسان في جسده ونموه: أولالا، ستروتزي-هيكلر، وكيغان

يقدّم خوليو أولالا، المتأثر بالمنظور الأنطولوجي، فكرة محورية: الإنسان لا يعيش في أفعاله وحدها، بل في طريقة وجوده وتفسيره وأحكامه ووعوده. لذلك يهتم الكوتش بأسئلة مثل: ما القصة التي تقولها عن نفسك؟ وما الأحكام التي تعاملها كحقائق؟ وما الوعد الذي لم تفِ به، أو لم تطلبه، بوضوح؟ في عالم العمل، قد تكون مشكلة «ضعف التعاون» في جوهرها عجزاً عن تقديم طلب صريح، أو خوفاً من الرفض، أو غياب التزام قابل للمساءلة. لا يكتفي هذا المنظور بتعديل السلوك الظاهر؛ بل يستكشف الممارسات اللغوية التي تشكّل هوية الفاعل وعلاقاته.

ويركّز ريتشارد ستروتزي-هيكلر على أن التحول لا يحدث في الفكر المنطوق فقط، بل يتجسّد في الوقفة والتنفس والإيقاع والعادات الجسدية. فكثير من القادة يدركون ذهنياً أنهم يريدون الإنصات، ثم يقاطعون في لحظة ضغط؛ أو يعلمون أن عليهم وضع حدود، ثم يبتسمون ويتنازلون. ويذكّرنا المنظور الجسدي بأن السلوك تحت الضغط لا يستجيب دائماً للقناعة العقلية (Mindset)، بل يستند إلى ممارسة متكررة تجعل الاستجابة الجديدة متاحة في الوقت المناسب. ويستطيع الكوتش هنا أن يسأل عن الإحساس، وأن يدعو إلى تجربة وضعية أو تنفس أو إيقاع في الكلام، من دون ادعاء ممارسة علاج جسدي أو تجاوز حدود اختصاصه.

ويضيف روبرت كيغان، من خلال نظرياته في تطور المعنى لدى البالغين، تحذيراً ثميناً من اختزال المقاومة في العناد. فقد يكون المستفيد متمسكاً بتصور عن ذاته، أو عن ولائه، أو عن الأمان، يجعل السلوك المطلوب خطراً من منظوره. فمدير يريد تفويض العمل، لكنه يساوي في داخله بين الاستغناء عنه وفقدان قيمته؛ لن تُحل المسألة بمجرد نصيحة عن إدارة الوقت. إنه يحتاج إلى رؤية الافتراض الخفي، واختبار بديل له، وبناء معنى أوسع لدوره. وما يتعلمه الكوتش من كيغان هو احترام تعقيد البنى الذهنية، وألا يتوقع أن ينتج تغيير عميق من قرار عابر.

وتكون هذه اللغة مفيدة بصفة خاصة حين تتكرر المشكلة رغم وجود خطة منطقية. فإذا كانت المستفيدة تعِد كل أسبوع بأن تتحدث بجرأة في الاجتماع ثم لا تفعل، فلا يسارع الكوتش إلى إضافة تقنية. قد يستكشف الحكم الذي تخشى صدوره عليها، والعادة الجسدية المصاحبة، والوعد الذي تريده لنفسها، ثم يصمّم معها ممارسة صغيرة قبل الاجتماع وأثناءه. هكذا تتصل الفكرة بالجسد واللغة والهوية.

النظام والعلاقات المتشابكة: بيتر هوكينز

ينقل بيتر هوكينز انتباه الكوتش من الفرد المعزول إلى النظام الذي يعمل داخله. ففي كوتشينغ الفرق والقيادات، لا يكفي أن نسأل: ماذا يريد هذا المدير؟ بل ينبغي أن نسأل: لمن يخلق هذا الفريق (Team) قيمة؟ وما علاقته بأصحاب المصلحة؟ وأين تتعطل تدفقات المعلومات أو الثقة أو القرار؟ لا يعفي هذا التفكير الفردَ من مسؤوليته، لكنه يمنع الجلسة من جعل الشخص الحاضر شماعة لمشكلة تتوزع على بنية العمل وعلاقاته.

وتظهر قيمة هذا المنظور حين يصف رئيس تنفيذي فريقه بأنه غير منسجم. يمكن للكوتش أن يدفع نحو إصلاحات سلوكية داخلية فحسب، أو أن يوسّع السؤال: ما النتائج التي يتوقعها العملاء أو مجلس الإدارة من هذا الفريق؟ وهل تتداخل صلاحيات أعضائه؟ وهل تُخصَّص اجتماعاتهم لاتخاذ القرار أم لتبادل التقارير؟ وما العلاقات غير المُدارة بين الفريق ووحدات المؤسسة؟ بهذه الأسئلة يصبح الكوتش شريكاً في رؤية شبكة العمل، لا معلماً للمهارات الناعمة وحدها.

ولا يعني التفكير النظامي أن يصير الكوتش مستشاراً يقدّم تشخيصاً جاهزاً. دوره أن يساعد المستفيد أو الفريق على رؤية الأنماط والاختيارات، واختبار تدخلات مناسبة لنطاق سلطتهم. فقد يكون الحل لقاءً مشتركاً مع جهة شريكة، أو إعادة تعريف قرار، أو اتفاقاً على طريقة تصعيد الخلاف. والمعيار ليس جمال الخريطة النظامية، بل: هل أنتجت مسؤولية أوضح وعلاقة أقدر على إنجاز المهمة المشتركة؟

خاتمة عملية: بناء قاموسك المهني

في الجلسة القادمة، لا تحاول استعراض العشرة جميعاً. اختر عدسة واحدة قبل الجلسة، ثم عدسة ثانية عند المراجعة. ابدأ، مثلاً، بعدسة ويتمور: ما الهدف والواقع والاختيار والفعل؟ وإذا شعرت بأن الخطة المنطقية لا تتحرك، فانتقل إلى غالوي أو كيغان: ما الصوت الداخلي أو الافتراض الذي يعوق التنفيذ؟ وإذا بدا أن الحل الفردي يُطلب لمشكلة جماعية، فاستدعِ هوكينز: ما الذي يطلبه النظام أو أصحاب المصلحة؟ وإذا كثرت الكلمات وقلّ الحضور، فتذكّر سيلزبي وستروتزي-هيكلر: ما الذي يحدث في الصمت والجسد وإيقاع العلاقة؟

ودوّن بعد كل جلسة ثلاثة أسطر: العدسة التي استخدمتها، والبيانات التي جعلتك تختارها، وما الذي لم تره بسببها. تحوّل هذه العادة النماذجَ من أسماء محفوظة إلى حس مهني. ولغة الكبار في الكوتشينغ، في نهاية الأمر، ليست لغة اقتباسات؛ بل قدرة على أن تكون أوسع من نموذجك المفضّل، وأشد وفاءً للإنسان والسياق اللذين يجلسان أمامك.

مسار القراءة

عقلية الماستر كوتش

محتوى يخدم نية البحث عن عقلية الماستر كوتش وتطوير التفكير المهني والوعي والقرار في الممارسة المتقدمة.

رفع كفاءة الوعي الذاتي في ممارسة عملكالوعي الذاتي ليس صفة تجميلية في سيرة الكوتش (Coach)، ولا تمرينًا روحيًا منفصلاً عن المهنة. إنه أداة عمل مباشرة. فالكوتش …بناء عقلية الكوتش الاحترافييمكن للكوتش أن يتعلم عشرات النماذج والأسئلة والأدوات، ثم يكتشف في لحظة حاسمة أن ما يصنع الفرق ليس ما يعرفه، بل الطريقة ا…
حوّل المعرفة إلى مسار مهنياستكشف المسار المرتبط بهذا الموضوع داخل أكاديمية CPQLTD.
عقلية الماستر
أسئلة شائعة

أسئلة شائعة حول الموضوع

ما موضوع هذا المقال؟

لا تنضج ممارسة الكوتشينغ بحفظ أسماء المدارس ولا بترديد المصطلحات التي اشتهرت بها. لكنها تضعف أيضاً حين تُمارَس بلا سند فكري، كأنها محادثة حسنة النية لا تستند إلى تصور واضح للإنسان والتعلّم والتغيير. إن معرفة المفكرين الذين صاغوا لغة الكوتشينغ الحديث لا تهدف إلى وضع قائمة شرف، بل إلى توسيع عدسة الممارس: متى يرى الأداء؟ ومتى يصغي إلى الحوار الداخلي (Inner Dialogue)؟ ومتى ينتبه إلى الجسد أو النظام أو مرحلة النضج؟ ومتى يكفّ عن افتراض أن الجلسة (Session) الجيدة هي التي تقدّم إجابة سريعة؟

هل محتوى المقال بديل عن الاستشارة الصحية أو النفسية المتخصصة؟

لا. محتوى CPQLTD التحريري تعليمي ولا يُقدَّم بوصفه تشخيصًا أو علاجًا أو بديلًا عن المختصين في المجالات الصحية أو النفسية المنظمة.

النقاش

تعليقات القراء

يظهر التعليق بعد مراجعته من إدارة الموقع.

0
لا توجد تعليقات منشورة حتى الآن. كن أول من يشارك.