خلف كل شهادة نظام: الكفاءات والحوكمة التي تصنع الثقة
بقلم: د. ناصر الفريح — مستشار ومبتكر برامج التأهيل المهني، مؤسس CPQLTD

بقلم: د. ناصر الفريح — مستشار ومبتكر برامج التأهيل المهني، مؤسس CPQLTD
ينظر الناس إلى الشهادة المعلّقة على الجدار، وقليل منهم يسأل عمّا يقف خلفها. وأقول لك من واقع الممارسة: قيمة أي شهادة تأتي من النظام الذي صنعها؛ من الكفاءات التي قيست، والقواعد التي حكمت، والجهات المستقلّة التي راقبت.
السؤال الذي يقف خلف الشهادة
حين بدأنا نصمّم برامجنا قبل سنوات طويلة، كان أول ما سألنا عنه أنفسنا: ما الذي يجعل الكوتش كفؤًا؟ وكيف نعرف أنه أصبح كذلك؟ ومن يقرّر؟ كانت الأسئلة بسيطة في ظاهرها، لكنها قادتنا إلى بناء منظومتين متكاملتين: منظومة كفاءات تصف ما يجب أن يتقنه الكوتش، ومنظومة حوكمة تضمن أن يُقاس ذلك بعدل ونزاهة.
وأدركنا مبكرًا أن الشهادة التي لا يقف خلفها نظام تبقى ورقة جميلة؛ قد تفتح بابًا مرة، ثم تفقد قيمتها حين يكتشف العميل أو جهة العمل أن حاملها لا يملك ما توحي به. أما الشهادة التي يسندها نظام واضح، فتكتسب قيمتها كل يوم، لأن كل خرّيج يحملها يؤكّد بممارسته ما تعنيه.
نموذجٌ يصف الكوتش الكفؤ
صمّمنا نموذج كفاءات يصف الكوتش الكفؤ بثماني كفايات، تبدأ بالأخلاقيات وحدود الممارسة، وتمرّ بالعقلية المهنية والتعاقد والحضور والإصغاء والاستقصاء، ثم الأهداف والفعل، والسياق والأنظمة، وتنتهي بالتوثيق والتطوّر المستمر. ولكل كفاية وزن يعكس أهميتها في حماية العميل وجودة الجلسة، وتحمل الأخلاقيات الوزن الأعلى بينها.
وأهم ما في هذا النموذج أنه يعرّف الكفاية بالسلوك؛ فالكفاية في نظامنا سلوك يمكن ملاحظته في قرار أو جلسة أو سجلّ. وحين تُعرَّف الكفاءة هكذا، يعرف المتدرّب بالضبط ما المطلوب منه، ويعرف المقيّم بالضبط ما يبحث عنه، ويعرف العميل ما يمكن أن يتوقّعه في جلسته. فيصبح النموذج لغة مشتركة بين الأطراف الثلاثة.
كفاءاتٌ تمتدّ عبر البرامج كلها
لا نقيس الكفاءات في برنامج واحد ثم ننساها؛ فهي تمتدّ عبر برامجنا كلها، وتتعمّق مع كل مستوى. ففي المستوى الأول يتعلّم المتدرّب أساسيات كل كفاية، وفي المستويات التالية يمارسها في سياقات أكثر تعقيدًا، حتى يصل إلى مستوى يستطيع فيه أن يشرف على غيره ويقيّم أداءهم.
ويرتبط كل نموذج من نماذج إدارة الجلسات التي نقدّمها بالكفايات التي يستهدفها، وترتبط كل بطاقة تقييم بالكفايات نفسها. فحين ينتقل المتدرّب من برنامج إلى آخر، يجد اللغة نفسها والمعايير نفسها، ويرى كيف تنمو كفاءته من مرحلة إلى أخرى. وأقول لك من واقع الممارسة: الاتساق في المعايير عبر البرامج هو ما يحوّل التعلّم المتفرّق إلى مسار مهني متماسك.
لماذا الحوكمة؟
تصف الكفاءات ما يجب أن يتقنه الكوتش، وتضمن الحوكمة أن يُقاس ذلك بنزاهة، وأن تُتّخذ القرارات بعدل، وأن يجد كل طرف من يحفظ حقّه. فالحوكمة هي القواعد التي تحكم المؤسسة نفسها، قبل أن تحكم المتدرّبين.
وقد رأيت في سوق التدريب كيف يمكن أن تختلط الأدوار: الجهة نفسها تدرّب وتقيّم وتبيع وتحكم في الشكاوى، فيصبح القرار رهنًا بالمصلحة. ولذلك جعلنا الفصل بين الأدوار حجر الأساس في حوكمتنا: التدريب في يد، والتقييم في يد ثانية، والتسويق في يد ثالثة، والحكم في الشكاوى في يد رابعة. فيطمئنّ كل طرف إلى أن القرار الذي يخصّه صدر عن جهة مستقلّة عن مصلحتها فيه.
مجلسٌ مستقلّ للرخص
ومن أهم ما بنيناه في منظومة الحوكمة مجلس مستقلّ للرخص، يضمّ أعضاء من خارج المؤسسة إلى جانب أعضائها، وتعمل تحته لجان متخصّصة: لجنة للتقييم، ولجنة للسلوك المهني، ولجنة للاستئناف، ولجنة للمناهج. ولكل لجنة دور محدّد، وإجراءات مكتوبة، وقرارات موثّقة.
ويمنح هذا المجلس رخص الممارسة بعد مراجعة ملفّات المتقدّمين وتقييم أدائهم، وينظر في الشكاوى، ويراجع المناهج ومعايير التقييم بصورة دورية. وأرى في وجود أعضاء مستقلّين داخله ضمانة مهمة؛ فهم يحملون نظرة من خارج المؤسسة، ويسألون الأسئلة التي قد لا يسألها من يعمل في داخلها.
الشهادة شيء، والرخصة شيء آخر
من المبادئ التي أعتزّ بها في نظامنا الفصل بين الشهادة التدريبية ورخصة الممارسة. فالشهادة تثبت أنك تعلّمت، وتبقى معك دائمًا. أما الرخصة فتثبت أنك تمارس بكفاءة، ويمنحها مجلس الرخص بعد أن توثّق ساعات ممارستك، وتُقيَّم جلساتك، وتلتزم بمدوّنة الأخلاقيات.
ويحمي هذا الفصل قيمة الوثيقتين معًا. فلا تتحوّل الشهادة إلى رخصة تلقائيًا، ولا تُمنح الرخصة لمن لم يثبت ممارسته. ويعرف العميل حين يرى رخصة الكوتش أن خلفها تقييمًا للأداء الفعلي، وأن صاحبها ظاهر في سجلّ عام يمكن التحقّق منه، وأنه يجدّدها كل ثلاث سنوات بالتطوير المستمر.
حوكمةٌ تصل إلى داخل الجلسة
قد يظنّ بعضهم أن الحوكمة شأن إداري يدور في مجالس الإدارات بعيدًا عن الجلسة. وقد حرصنا على أن تصل حوكمتنا إلى داخل الجلسة نفسها؛ ففي كل نموذج من نماذج إدارة الجلسات مبادئ أخلاقية تسبق أسئلته، ونقاط توقّف داخل مراحله، ومؤشّرات إحالة واضحة.
وحين يدير الكوتش جلسته، يعمل وفق اتفاق واضح مع عميله، ويحفظ سرّيته، ويحترم حدود دوره، ويوثّق ما يلزم بأمان. فتتحوّل الحوكمة من وثائق محفوظة إلى سلوك يومي يمارسه الكوتش دون أن يشعر أنه يطبّق قواعد خارجية؛ لأنها أصبحت جزءًا من طريقته في العمل.
الإشراف ضمانةٌ مستمرة
لا تنتهي الحوكمة بمنح الرخصة؛ فهي تستمرّ عبر الإشراف المهني. فيراجع الكوتش جلساته مع مشرف معتمد بانتظام، يتدرّج تكراره بحسب مرحلته: إشراف تكويني متقارب للمتدرّب الجديد، وإشراف تطويري للممارس، وإشراف متخصّص للكوتش المتقدّم.
وفي جلسة الإشراف يعرض الكوتش حالة أو جزءًا من تسجيل، ويتأمّل مع مشرفه ما حدث، ويحدّد الكفاية التي يحتاج إلى تطويرها، ثم يغادر بنقطة تطوير واحدة يمارسها قبل لقائهما التالي. فيبقى الكوتش في حالة نموّ مستمر، وتبقى جودة ممارسته تحت نظر مهني يحرص عليها.
ما الذي يعنيه ذلك للعميل؟
حين يختار العميل كوتشًا تأهّل في ظلّ هذه المنظومة، فهو يختار شخصًا قيست كفاءاته بمعايير معلنة، وقيّمه من لم يدرّبه، ومنحه رخصته مجلس مستقلّ، ويراجع ممارسته مع مشرف. ويعرف العميل أيضًا أن له طريقًا واضحًا إن شعر أن حقّه لم يُحفظ، وأن شكواه ستُنظر بعدل.
وأقول لك من واقع الممارسة: العميل لا يقرأ وثائق الحوكمة، لكنه يشعر بأثرها في كل جلسة. يشعر بها في وضوح الاتفاق، وفي احترام سرّه، وفي صدق الكوتش حين يقول: «هذا يقع خارج دوري، ودعنا نبحث عن المختصّ المناسب». وهذا الشعور هو ما يبني الثقة التي تجعل العميل يعود، ويرشّح الكوتش لغيره.
كيف تولد الكفاية؟
لم نكتب الكفايات الثماني من خيال، ولم ننقلها من مصدر جاهز. فقد استخلصناها من تحليل طويل للممارسة: ماذا يفعل الكوتش المتمكّن في الجلسة؟ وما الأخطاء التي تتكرّر عند المبتدئين؟ وما السلوك الذي يصنع الفرق في تجربة العميل؟ وراجعنا هذه الأسئلة مع ممارسين ومشرفين، حتى استقرّت الكفايات في صيغتها التي نعمل بها.
ونواصل مراجعة النموذج كلما ظهرت في الممارسة حاجات جديدة. فقد أضفنا مثلًا عناية أوسع بالسياق والأنظمة، حين لاحظنا أن كثيرًا من العملاء يواجهون عوائق مؤسسية تفوق قدرتهم الفردية، وأن الكوتش يحتاج إلى أن يفرّق بين ضعف الشخص وقيود النظام الذي يعمل فيه.
الكفاءة في اللحظات الصغيرة
تظهر الكفاءة غالبًا في لحظات صغيرة قد لا يلاحظها إلا المقيّم المتمرّس. تظهر حين يصمت الكوتش ثلاث ثوانٍ بعد سؤاله فيمنح عميله مساحة للتفكير، وحين يقول: «أريد أن أتأكّد من فهمي» قبل أن يبني على ما سمعه، وحين يستأذن قبل أن يشارك ملاحظة قد تكون مباشرة.
وتظهر أيضًا حين يقاوم الكوتش رغبته في تقديم الحل، فيعيد السؤال إلى عميله: «ما الخيارات التي تراها أنت؟». وأقول لك من واقع الممارسة: هذه اللحظات الصغيرة، حين تتكرّر في كل جلسة، تصنع الفرق الكبير بين كوتش يتحدّث عن الكوتشينج وكوتش يمارسه.
الشفافية تصنع الثقة
من مبادئ الحوكمة التي نعمل بها أن تكون القواعد معلنة. فيعرف المتدرّب منذ البداية الكفايات التي سيُقيَّم عليها، وأوزانها، وحدود النجاح في كل مستوى. ويعرف العميل أين يجد الكوتش المرخّص في السجلّ العام، وكيف يتحقّق من رخصته. ويعرف الجميع أين يتوجّهون إن أرادوا تقديم شكوى أو استئناف قرار.
وأرى في هذه الشفافية حماية للمؤسسة قبل غيرها؛ فالنظام الذي يعمل في العلن يراجع نفسه باستمرار، ويحرص على أن تكون قراراته قابلة للدفاع أمام أي سؤال. والثقة التي تُبنى على الشفافية أثبت من أي ثقة تُبنى على السمعة وحدها.
حين يقع الخطأ
لا يخلو أي نظام من الأخطاء؛ قد يخطئ مقيّم في تقديره، أو يتأخّر قرار، أو يكشف الواقع ثغرة في معيار. وقد صمّمنا الحوكمة لتتعامل مع الخطأ بمسؤولية: يحقّ لصاحب القرار أن يطلب مراجعته، وتنظر لجنة مستقلّة في الاستئناف، وتُراجَع المعايير حين يتكرّر الإشكال نفسه.
وأرى في الطريقة التي تتعامل بها المؤسسة مع أخطائها أصدق اختبار لحوكمتها. فالمؤسسة التي تعترف بالخطأ وتصحّحه وتتعلّم منه، تعلّم متدرّبيها بالقدوة كيف يتعاملون مع أخطائهم في جلساتهم: يعترفون، ويصلحون المسار، ويتعلّمون.
حوكمة المناهج
تمتدّ الحوكمة إلى المناهج نفسها؛ فلجنة المناهج تراجع البرامج بصورة دورية، وتتأكّد من اتّساقها مع نموذج الكفاءات، ومن أن تطبيقاتها وأمثلتها ما زالت تخدم المتدرّب في سوق يتغيّر. وتقترح الإضافات والتعديلات بناءً على ملاحظات المدرّبين والمقيّمين والمشرفين.
وأرى في حوكمة المناهج ضمانة لجودة التأهيل على المدى الطويل؛ فالمنهج الذي يراجعه أكثر من طرف بانتظام يبقى حيًّا ودقيقًا، ويستفيد كل متدرّب جديد من خبرة من سبقوه.
لغةٌ واحدة لأدوار متعدّدة
من أجمل ما يمنحه نموذج الكفاءات أنه يوحّد اللغة بين أدوار مختلفة. فالمتدرّب يتعلّم بالكفايات، والمدرّب يدرّب عليها، والمقيّم يقيس بها، والمشرف يطوّرها، والمجلس يمنح الرخصة على أساسها. فيفهم كل طرف الآخر، ويتحدّث الجميع عن السلوك نفسه بالكلمات نفسها.
ويمنح هذا التوحيد المتدرّب طمأنينة كبيرة؛ فما يسمعه من مدرّبه يجده في بطاقة تقييمه، وما يلاحظه مشرفه يجده في معايير رخصته. فيسير في طريق واحد واضح المعالم، بعيدًا عن المعايير المتضاربة.
نحو المعايير الدولية
صمّمنا منظومة الكفاءات والحوكمة لتتوافق مع المعايير المهنية المعتمدة دوليًا في التأهيل والترخيص، ونطوّرها باستمرار لتقترب منها أكثر. ونعمل على توثيق تحليل الممارسة، وتحديد حدود النجاح بطرق منهجية، وتعزيز استقلال التقييم، لأننا نرى في هذا الطريق مستقبل المهنة.
وأقول لك من واقع الممارسة: المؤسسة التي تبني أنظمتها على معايير واضحة اليوم، تجد نفسها مستعدّة غدًا لأي مراجعة أو اعتماد، ويجد خرّيجوها أن تأهيلهم يحمل قيمة أينما ذهبوا.
نظامٌ بُني عبر السنين
لم تولد منظومة الكفاءات والحوكمة دفعة واحدة؛ فقد بنيناها عبر سنوات من التدريب والإشراف والمراجعة. وكانت كل مرحلة من مراحل بنائها تستجيب لسؤال طرحه الواقع: كيف نقيس الأداء بعدل؟ وكيف نفصل بين من يدرّب ومن يقيّم؟ وكيف نحمي حقّ العميل والمتدرّب معًا؟
وكتبت خلال هذه الرحلة وثائق كثيرة، منها كتاب في الحوكمة، وكتاب في أخلاقيات المهنة وقواعدها، وكتاب في الكفاءات، لتبقى المعرفة التي تراكمت متاحة لكل من يعمل في المنظومة أو يتأهّل فيها.
وأقول لك من واقع الممارسة: الأنظمة التي تُبنى بالتدريج، وتختبرها الممارسة في كل خطوة، تكون أكثر رسوخًا من تلك التي تُكتب دفعة واحدة؛ لأنها تحمل في داخلها خبرة من عاشوا مواقفها.
وما الذي يعنيه لك؟
وأنت، حين تتأهّل في ظلّ منظومة كفاءات وحوكمة، تكسب أكثر من شهادة. تكسب معرفة دقيقة بما يجب أن تتقنه، ومعايير واضحة تقيس بها نفسك، ومسارًا متدرّجًا ينمو معك، ومؤسسة تقف خلفك بقواعدها وعدالتها. وتكسب أيضًا لغة مهنية مشتركة تتحدّث بها مع زملائك ومشرفيك وعملائك.
وأختم بما أؤمن به: خلف كل شهادة نظام، وخلف كل نظام قيم. فحين تكون الكفاءة مقيسة، والحوكمة عادلة، والإشراف مستمرًّا، تصبح الشهادة وعدًا صادقًا يحمله الخرّيج إلى كل عميل، وتصبح الثقة نتيجة طبيعية لنظام بُني ليستحقّها.
د. ناصر الفريح
مستشار ومبتكر برامج التأهيل المهني، مؤسس CPQLTD
من فلسفة CPQLTD: الاحترافيّة منهجيّة تظهر في سمات تصرّفاتك، وتكتمل بالممارسة الموثّقة.
الكوتشينج المهني
محتوى حول الكوتشينج وبناء المسار من البداية حتى الممارسة المهنية.
أسئلة شائعة حول الموضوع
هل الكوتشينج يقدم علاجًا نفسيًا؟
لا. الكوتشينج يركز على الأهداف والوعي والخطوات العملية ضمن حدوده المهنية، ولا يُقدَّم بوصفه علاجًا نفسيًا أو بديلًا عن المختص الصحي.
ما الذي يحدث عادةً في جلسة الكوتشينج؟
تبدأ الجلسة بتوضيح الهدف أو الموضوع، ثم استكشاف الوضع الحالي والخيارات والعوائق، وتنتهي عادةً بخطوات أو التزامات عملية يحددها العميل.
كيف أبدأ تعلم الكوتشينج بصورة مهنية؟
ابدأ بأساس واضح للمفاهيم والأخلاقيات ومهارات الجلسة، ثم انتقل إلى التدريب العملي والتغذية الراجعة والإشراف قبل بناء ممارسة مستقلة.

تعليقات القراء
يظهر التعليق بعد مراجعته من إدارة الموقع.